09:48 - 28 يوليو 2019

الجدار وصراع الذات :
بقلم د. الاديب الشاعر إحسان الخوري

يُقال أنَّكَ في أشدِّ لحظات الوحدة يتوجَّب عليك أن تقسم ذاتك إلى جزئين كي تُشبِع غريزة التواصل ، ليبدأ التواصل مع ذاتك الآخر فتُعجَب بها و تتأثر بنفسك وتبدأ بتقليدك وتتحول العلاقة لما يفوق الصداقة بعد أن سعيت جاهداً لتُحقِّق شرط الحكمة الأزلية في قسْم ذاتك ، وبعد أن تُشبِع غريزتك في التواصل تعود لنقاط البداية ، وفي مرحلة معينة تفقد الهويّة ليندمج القسمين مُجدداً بنفسك فتتسائل مُستعجِباً هل أنا حقاً أنا أم أنَّني الشخص الغريب !! ذاك السؤال الأزلي الذي يصدح في مُؤخَّر رأسك في كلّ صباح . فتستيقظ لتجد يوماً أنَّك فقدت ملامحك الأساسية وتحولت إلى نفسك فتتكرر الأسئلة وتتكرر الأجوبة لتضيع في دوامة من التساؤلات التي هي ذاتها الإجابة .
لقد قرأت في الأساطير عن العذاب الأزلي وعن نقمة الآلهة على البشر أو العكس أو حتى نقمة الآلهة على بعضها البعض وحكمها بالعذاب على مَن تتمكَّن من إلصاق العذاب به ، فيُفاجئني أنَّ قلَّة قليلة قد حصلت على نعمة الآلهة ورضاها فكيف أتوقَّع من نفسي أن أحصل على نعمة نفسي ورضاها وثم رضى إله الكون .. !
إنَّها مفارقة كيميائية تُسقِط دماغك في هوَّة من التَّصورات وأفقٍ من الضياع ، وتُحلِّق ضمن هذا الفراغ الكيميائي ظنَّاً مِنك أنه المَهرب أو الحلّ المؤقَّت على الأقلّ وتُحاوِل إقناع نفسك بقسْميها أنّ الوضع مَؤقَّت وكل التُرُّهات ستزول ، هنا تُحاوِل إقناع نفسك أنّ الأصوات ليست إلا أصداء من حياة سابقة وأنّ مَن ينهش جلدك ويغرز أسنانه بك هو مُجرَّد انتقام من الآلهة وأن ما حُكِم عليك هو ما حُكِم على إله الاغريق فتتوق روحك للتحرِّر وتتوق للإنعتاق .
بضع طرقات خفيفة يُسمَع صَداها في جوفك الذي خلى من كلّ شيءٍ إلا أنت فتعزم نفسك إليك وتُشعِل لفافة تبغ وتنفخ دخانها بمحيط كل شيءٍ واهماً نفسك أنها رائحة البخور من الكنيسة المجاورة كمن يدسّ السُمّ لذاته في الطعام ألف مرّة وينجو بفعلته ، ثم تعود لترتطِم بنفس الجٍدار مُلتصِقاً بثقوب مُضيئة تشعُّ أملاً بما وراء الجدار بألوان زاهية لتُقنِع ذاتك أنّك يوماً ما ستتجاوز هذا الجدار وأنّك يوماً ما ستُحطِّم ذاك الجدار لتخطو نحو الضَّوء الذي تستحِقُّ أو لأنَّك تعتقد أنَّك تستحق ما خلف الجدار .
يمرُّ الوقت … وأنت ما زلت مُلتصِقاً بفتحاته وتشقُّقاته لتنسى الغاية من وقوفك مُتسمِّراً بانتظار اللحظة المُناسبة والرغبة المُناسبة وكُلَّك إيماناً أنّ الجدار هو الأمل مُتناسياً ما خلفه مُكتفياً بشعاع مُتسرِّب مِن التَّشقُّقات …
ماذا سيحدث عندما تدرك أنه ما من جدارٍ ..! وأن خللاً كيميائياً خلق تلك الكومة من الأحجار في ذواتنا وربَّما خللاً تربوياً أو هرمونيَّاً أو حتى خللا ثقافياً أو خللاً في الطبيعة الخلوية المُنقسِمة .
الحقُّ الحقُّ لقد أصابني الملل من كتابة أحرف ستترك أثراً افتراضياً على جدار أحدهم دون أن يعي أنّ الجدار هو ذاته المُنقسِمة عليه .
تبا لنا لأنَّنا جيل يؤمن بالله من خلال الاحرف وعندما تُسقِطنا رياح الايام تتساقط أطرافنا فنتأملها مُتسمِّرين بانسطالٍ …
إن للربّ والطبيعة أساليب تخرج من نطاق فهمنا واختصاصنا نحن البشر ، أيّ كائن يستطيع أن يحبَّ لكن هل يستطيع أن يتحكَّم بهذا الحبّ ..؟ وبالعودة اليكِ رأيتكِ أنتِ مُترفَة المشاكل ، مُترفَة المشاعر ، مُترفَة الأحرف والكلمات ومُترفَة الروح ، مُترفَة الجسد ، ومُترفَة الصوت ، مُترفَةٌ بمآسيكِ ، مُترفَة بآلامكِ ومُترفَة بترفكِ .. أما ما تبقّى منكِ فيعيش على بقايا تاريخ طفولتكِ وتاريخ انسان نزل في غير محطَّتكِ أترفه النَدم فبكى ألف عام بدموعٍ مُترفة ، دموع ثريَّه لحدِّ التُخمة ، ثرية بكلّ شيءٍ إلا منه ، وأنتِ وُلِدتِ بالألم ، وُلِدتِ بالأمل ، نعم أنتِ وُلدتِ وفقط ، وأنا أجِد وجه شبه كبير بينك وبيني . أقول ما أقول ليس تعظيماً بنفسي إنّما لأنّني معكِ لاكتشف قدرتي بأن أصبح وهماً وخيالاً ودُخاناً … صورتكِ تتراءى مع شمس كلّ صباح مُورّدة الشفتين تتملّككِ الرِّفعة على عصفورٍ سقط سهوا بين عينيك وأملَ بمجهولٍ تخافه كلّ العذارى ….
أنا لا زلت مستيقظاً متيقظاً على الفراش وسيغالبني النوم فى النهاية وسأقبع وراء حائطٍ ضَخم بما يكفي لحجب كل البشر خلفه و لكلّ مِنّا ثَقبه فى الجدار و لكل ثقب إسمه و خصائصه ، قد نرتحِل من ثقب لآخر و هذا يتطلب جهداً بمقدار بُعد الثَّقب وبمقدار اتساعه فهناك ثقب للحبّ و غيره للغباء و آخر للإكتئاب ، وآهٍ كم هو قريب ثقب الأكتئاب ونظراً لِصغر السِّنّ و صغر الحجم قد لا يصل الطفل الصغير للثقوب المُعلَّقة عالياً في الجدار كثقب الحكمة أو ثقب الادراك والعكس لكبار السن فقد لا يصِلوا أبداً لثقب الحداثة فهو بعيدٌ والإرتحال إليه يتطلَّب مجهوداً كبيراً لا يتحمَّله كهل التصق بثقب الخبرة وكم هو واسع ثقب البلاهة إنّه يضمّ المليارات …
أعتقد أنّه عليّ أن أجد طريقة للنفاذ عبر الجدار ، وإلاّ سأنضمُّ لرفاقي خلف ثقب البلاهة فهو الأقرب لثقب السعادة و لكن إن قرَّرت رؤية العالم كاملاً هل سيكون حقاً كما أتوقعه ..؟ أم سيتغيَّر .. إن العالم لا يتغيّر بل إن نظرتنا إليه هي ما يتغير ..
كان هناك شخص آخر على بعد آلاف الاميال يظنّ العكس ، يظنّ أنّ العالم سيتغيّر عندما تتوقف القطط عن التهيؤ للهروب وإنّ العالم ليس عديم الكينونة بل إنّه مكان رائع خلف أيّ ثقب كان وإنّه يُشبِه فتاة تداعب الفراشات في إحدى المزارع ….
إنّ الكآبة هي مأساةٌ .. أمّا كآبة المِئات فهي مسألة إحصائية تضع حدوداً للإبداع وكلّ عباقرة التاريخ قد تمرَّدوا على كآبتهم عبر المشاعر التي هي شيءٌ جميل و لوحة فنية رائِعة ترسم نفسها بكلّ جزء من الجَسد . والكآبة هي حوت اتبع القواعد حرفياً ، هي الملل من أحلام اليقظة ؛ أحلام المال أو السُلطَة أو الحبّ او الاحترام أو القوّة أو غيرهم عند الفشل فى الحصول على أيّ منهم ، أمّا المَسرَّة فهي بالمُختصَر ذات نكهات مختلفة ، كالنكهة الحقيقية للقُبلة ونكهة ألوان الكون والمجرَّات ونكهة الابعاد ونكهة أُنوثَة النِّساء …
من كتابي : على حافّة الذاكرة

حجر الذكرى

فى 31 يوليو 2019

الجدار وصراع الذات

فى 28 يوليو 2019

شارك الموضوع